الأرشيف | إدارة الموقع | البريد الوارد

شـهـوة الـجـحيـم

2007/5/28 .. 0 التعليقات .. رابط

 

شـهـوة الـجـحيـم

             (قصة قصيرة)

 

                               (1)

 

الوقت ينتصف السواد، والساعة تقطع آخر خط فاصل بين العتمة والصخب ما بين بداية، ونهاية طللية تنقرض مع ميلاد تتلاقى فيه عقارب الوقت، لتحتل الرقم "واحد" وعناق ثلاثي يتلوه انتهاك.

 الباب الحديدي، المائل – بلونه – إلى الزرقه يفتح وئيداً، وصريره المتطا من لا يعتم أن يتلاشى، وذات اليدين كانت توصده – من الداخل – بإحكام يقظ.

 عينان مشوبتان بالحذر تجوسان المكان، ورجل يمتطي الشهوة يقف متطلعاً إلى مشاهد ألفتها عيناه.

 لم تدهشه رؤاه، فقد اعتاد زيارة هذا الوكر كثيراً.

 خطواته الوئيدة تقوده حيثما العجيج الموسيقي المنبعث من إحدى الحجرات الخاصة. ما كاد يصل حتى كان الصوت قد خفت، وإلى مسمعه يتناهى وقع ضحكات هامسة.. لم يستغرب للأمر، وقبل أن يلج الحجرة كان ثمة من يتهيأ للخروج.

تصادما – معاً – قبل أن تتلاقى أعينهما،  وينكسر الطرفان في صمت مهيب، مفسحاً كلٌ منهما – للآخر – طريقاً.

 لم تكن قد لمحته وهو يقف وراءها يرنو إليها وهي تعيد ترتيب الجسد العاري، وقناع الوجه البالي.. وحين التفتت لم تبد اندهاشاً .. واقتربت منه – في تصنع للابتسامه – وغابا معاً – في العالم الثاني.. وبانطفاء المصباح يتوارب شعاع أبيض تماهى في تلك الخيوط الحمراء المتسللة من منافذ الستارة الحريرية الماجنة.

 

(2)

 

الوقت يمازجه البياض والساعة تقطع آخر نقطة عند زمن تتعانق فيه عقارب "ثلاث" تتوسط" الرابعة" وعلى الرصيف المتجلط بالدرن يسير مترجلاً، وبين حين آخر يتباطاً متحسساً الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

تذكر أنه عائد من كهف "الرغبة" القذرة وأدرك أن ثمة فرقا بين الأبيض والأسود، وبين الفجر والغسق.. نظر إلى ما فخذيه وتمتم – باصقاً: أيها الوثن. أفكر ألا أعبدك بعد الآن.. وأرسل عينيه إلى السماء، سرعان ما أطرقهما حياء وهو يصغي بجميع حواسه إلى النداء:  "الله أكبر.. الله أكبر" فكان دوراناً ينسعر في أخاديد الإثم، يتنامى ويكبر مع كل ترتيلة من ترتيلات الآذان.. ومعه كانت الدمعات تشق طريقها وتهمي لتغسل وجهاً لم يبارحه العطن منذ زمن..

صداع ورشح ودوار وعرق يتفصد ثراً وسؤال حاد يحاصره: إلى أين المسير؟!

كانت قدماه لصيقتين بالقاع، وثمة ما يحجب عنه الرؤية.. ثوان حتى كان الظلام يغشى الدرب ورجل ممدد على قارعة الطريق .

 

(3)

- ما هذا؟ من أتى بي إلى هنا؟.. كانت هذه أولى كلماته بعد استفاقته من "الغفوة" وهو يمعن النظر في رجل يرتدي لباساً أبيض ويهديه ابتساماته.

- حينها يتذكر ما حدث وهو يطلب منديلاً ليمسح به الرشح الأنفي، وعرقه المتساقط.. - والآن هل أستطيع الخروج من هنا؟

- ولم التعجل؟

- إنها مجرد "انفلونزا" أشعر معها ببعض البرودة، وحبة من "الاسبرين" أو بعض منها يزيل كل شيء.. يباغته الطبيب:

- هل أنت متزوج؟

- لا.. لم السؤال؟

- إذا فأنت ممن يهوون السفر – كثيراً – خارج الوطن، ما دمت لا تستخدم "المخدرات" كما دل تحليل دمك.

 تحليل دمي.. السفر.. ما هذه الأسئلة أيها الطبيب؟!..

 يغادره الطبيب .. يتقلب في الجواب .. كر إلى الباب لكن الغلق كان محكماً.. عاد إلى سريره الأبيض، وعلى المنضدة المجاورة يتحسس المنديل فتعلق يده بكتاب ضخم أثارت رؤيته فضوله لا سيما عنوانه المخطوط بلون الدم.

 في الخارج كان ثمة حوار مبهم يدور بين كبير الأطباء وبعض الممرضات، فكان حيناً يعلو، وحيناً يتطامن همساً مما أثار الانتباه وشد اهتمام المريض الجديد فتحرك صوب الباب.. هنيهات حتى كان الحديث يغادر شكه واختلاجاته، وشيء ما يتردد في الذاكرة المنفتحة وهو يستلهم حقائق تتمحور حول المريض الجديد القابع في الحجرة (1). وغاب في حوار  آخر، مغلق مع نفسه.

 

(4)

الوقت آخر الرحيل..

 جلبة ولغط يعكران الهدوء الداخلي للمستشفى، وحشد دائري للسابلة في الخارج. ووسط الضوضاء تقبل عربة خاصة بالمرضى تقل جسداً هامداً في نصف رأس ما كاد كبير الأطباء عليه نظرة حتى هرول موفضاً إلى الحجرة الخاصة بالمريض الجديد. كانت الحجرة خاوية إلا من سرير مبعثر الأغطية، وحطام نافذة زجاجية، وعلى زاوية من الحجرة كان ثمة كتاب ضخم ملقى على الأرض، وقد كتب العنوان بخط في لون الدم "إيدز".


 



ثقافة العُري وعُري الثقافة

2007/5/17 .. 0 التعليقات .. رابط

عن ثقافة العُري وعُري الثقافة

 

 

 

لم تكن ثقافة "العري" مقتصرة، يوماً ما، على أمةٍ دون أخرى، أو على شعب دون آخر؛ فتاريخ الجسد، وثقافته تراثٌ يقع كثير منه، خارج محددات النواميس؛ إلاّ أن هذه التاريخية الثقافية ظلت في كثير من الأحيان، ولدى بعض الشعوب، تُطوى بمستور المنظومات الاجتماعية، والدين، فتصطدم سلطة هذه الثقافة بقداسة الجسد، فإذا ما انفلت العقال الحياتي، والفكري، وتحاوزات الكينونة طقوسها تحرَّر الجسد، وانتقلت ثقافة العري، من التنظيمية، إلى الحسية، والتابو، ثم إلى التطبيع اليومي، بتحويله إلى جزء من الحياة اليومية، كما هو حالنا اليوم.

وتتخذ بعض الشعوب ثقافة "العُري" –كما لدى "الجينية"-الهندوسية –مثلاً- لغاية سامية، إذْ العُري لديهم، لا يمثل لديهم سوى مرحلة متقدمة من السلوك الارتقائي.. ووفقاً لمعتقداتهم، فإنَّ الإنسان، إذا ما وصل لمرحلةٍ يستطيع فيها التخلص مما يستره، كان ذلك دليلاً على تخلصه من رغبات الدنيا، وشهواتها، ومطامعها، فإذا ما شعر بالحياء، ورفض التعري، كان ذلك دليلٌ على أنه مازال متعلقاً بالدنيا، ويجب أن يكافح إلى أن يصل إلى مرحلة التعري الكامل، للهروب من الحياة، والتخلص من كلية المولد (التناسخ).

أما اليوم، وفي ظل تزيين العُري، وتقبيح الاحتشام، والوقار، فقد صارت ثقافة الاستعراء، لا تعني سوى تجييش سلطة الغرائز، ولاتترك مجالاً للعقل، أو للنظام الفكري أنْ يوجد معادلات موضوعية يواجه بها بلاغة الصورة؛ حيث أضحت ثقافة الجسد من ضرورات العولمة، وفلسفة ما بعد الحداثة، بل وجوهرها، التي ترى في جسد الأنثى مرجعاً بذاته.

تقول "سوزان سونتاج" – في كتابها: ضد التفسير- وهو كتاب تؤرخ من خلاله الكاتبة لفلسفة ما بعد الحداثة:" إن أكبر تحدِّ للثوابت، والمعتقدات، والعقل هو "الجسد".

ولهذا- لاغرابة- إذا ما علمنا بأن سياسة الرأسمالية الجديدة- الربحّية- تلهث أكثر ما تلهث خلف ثقافة الاستعراء بالصورة، واللعب على أوتار الغرائز بالجنس.

ولعل السمسار الأكثر فاعلية في تسويق هذه الثقافة اليومية، هو التلفزيون الفضائي، وأغاني "الكليب" التي تلح بالمتعة الدائبة ليل، نهار: أجسادٌ عارية، ورقص طولي، وأفقي، أحال المرأة برمتها إلى موضوع جنسي يصعَّد السعار الغرائزي لدى الصغير والكبير، "ويفجر جنون الشبق لدى أكثر الرجال وقاراً"  فما بالك، بالمراهق الشاب؟ فأمست الصورة المتحركة للجسد تُختزل في بعدٍ واحد هو الجنس. ومع الإدمان يضحى هذا الجسد هو المصدر الوحيد للهوية، وهنا تكمن النكسة؛ حيث مشهد العُري اليومي، يولدِّ – مع الوقت- انفلاتاً فكرياً يصل بالفرد إلى تكريس نسبية "العورة" وتخليصها من منظومة العقيدة، التي تحثه على الاستتار؛كما هو الحال في عقيدتنا الإسلامية التي يرتبط فيها مشهد العُري بـ(العورة)، وبالخطيئة؛ فانكشاف العورة في الإسلام هو دليل بلاء، وفزع، بدليل أنَّ أول خطيئة في الكون ارتبطت بانكشاف العورة- كما في قصة آدم، وحواء:{ فبدت لهما سوآتهما، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} (قرآن كريم)،  كما أنَّ الناس يحشرون يوم القيامة عُراة. ولغاية من هذه النظرة إلى "العُري" لا نتعجب في حكاية نسج العنكبوت حجاباً على عورة زيد بن الحُسين –رضي الله عنه- عندما صُلب عُرياناً بعد مقتله. ويعد حجاب المرأة المسلمة "لغةً حضارية كاملة" لأنها بالحجاب تستبدل ثقافة كشف العورة، بثقافة العفة، وجوهر الروح.

 

أما عولمة الجسد التي تسعى إليها الحداثة المعاصرة، فقد فككت مفهوم "العورة" وجعلت منه معنى نسبياً، تعدُّدي الدلالة، ويتيح معاني استيلادية ترتبط كلها بالشهوة الاستهلاكية، ومنظومة المنفعة الشخصية، واضعةً ثوابت من نحو" الدين، الهوية، الوطن، الثقافة المحلية، الأخلاق، في سياق عولمي محض، هدفه تنميط البشر في متشابهات، ووحدات اقتصادية، تدور وفق قوانين المادة التي توظف العالم المعاصر، ليكون كله في خدمة الكفاءة الرغباتية، المسلَّعة، لذا كان مشهد الجسد- على الجانب الثقافي- هو أهم منجزات أباطرة العولمة، الذين استطاعوا –بكل حذق ومهارة- أن يسوقوه إلينا (نحن العرب والمسلمين): فأزياء النساء، وموضة "الكالسونات"، و"السنتيانات"، والبنطلونات التي تكشف عن خط الأرداف،والعانة، والفضاء الإباحي، والفيديو كليب، و"الفياجرا"، والإنترنت، والكباريهات، والكازينونات، وتصدير المتعة.. كل هذه العوامل حوَّلت المرأة إلى "عضو جنسي، خلفي، وأمامي" كما حولت الرجل إلى متسكع بين أرصفة الغواية، والغريزة، فتناسى قضايا أمته الكبرى، راضياً بالقليل من الأحلام، وبالقليل من الشجب والاستنكار.

ولم يكن عري الثقافة، بأحسن حال، من ثقافة العري، إذْ بانتقال حمى الاستعراء إلى الكتابات الأدبية، لم يتوان الكثير من مبدعينا توظيف هذه الثقافة، فيما يكتبون: شعراً، وسرداً.

يقول أحد الأدباء العرب: "إن المثقف في المغرب، صار يعاني من وطء الكلمات الفرنسية العارية، التي تدعوه إلى ربط كل شيء في الحياة بالجنس.. وصار الكثير منا يتبارى في إبداء العورات..".

قد يتساءل أحدنا: لماذا كانت ثقافة الجسد، والاستعراء، أحد أدوات الحداثة، والعولمة الفعالة.. دون غيرها؟

نقول: لأنَّ من فلسفة العولمة، وأهداف الحداثة، مصادرة الخصوصيات، الثقافية، والأخلاقية، وخلخلة الثوابت، والمرجعيات؛ ذلك أنَّ هذه المكونات بنظر الحداثة، والعولمة، عوامل إعاقية للانفتاح العالمي.. لذلك كان الجنس، والجسد هما السلاحان الأكثر حدة، لهدم، وخلخلة تلك المعوقات، حتى يتساوى كل شيء: الجمال، والقبح. المطلق، والنسبي. الحقيقة والخيال "فلا انتماء واضح لهوية، أو فكر، أو تاريخ، وما يظل في الصورة هو المنطق الاستهلاكي، والتسليعي.. وبلا حدوووود.."




أخـاديـد!!

2007/5/12 .. 0 التعليقات .. رابط

أخـاديـد!!

 

 

ثمِلَ الورد مني، واشتعل الورد بأخاديد الزمان.

والأوانُ ،يتقاصرُ .. يستنزفُ مياه تفرٌّدي.. به اتساقط ركناً ركناً، ويوماً يوما..

 آهِ .. ثمل العمرُ منيِّ.

أريدُ بعضاً من طفولتي.

أريد بعضاً من وجوهٍ غابت في آماسِ ليليَ المتداعي حول سريري.

 بل أريد كل طفولتي ..

أوَّلَ صوتٍ .. بل أول عينين تعلقتُ بهما؛ لأحْدسَ أنني ما زلت أرنو إلى الضباب وإلى الطفل المرتحل بي.

 آهِ .. فقدتُ براءتي ..ودَّعتُ طهارة أول نظرة سدَّدتها إلى أنثى المكان.

وأبكي.. لأنني لا أزال أنصتُ بوداعةٍ لقلبيَ القديم.. ما زلت أحنو مشفقاً على أزمنةٍ أجلسُ إليها وتقتعدني جلَّ نهارها، فاتحةً – لي – شرفاتها كلما عنَّ لي خفاءٌ من طفولةٍ عتيقة،أضعتها..

وأضعتُ ملامح السُّكنى، وأضعت جُلَّ حضوري متلصِّصاً أبحث عن "هشام" جديد..

لم أجد شيئاً..سوى المحض من الحزن والمساء والدَّمس..

 وغادرتني الشمسُ والزرقةُ وجِنَانُ القطف وأوَّلُ امرأةٍ حفظتها عن ظهر قلب، وسمَّرتني على قارعة الطريق.

غادرتني أسمائي والصور المعلقة على أشتات حافظتي.. بتُّ لإ أدرك ألا وقتي المتهالك بي،

والعمر الذي يخبُّ جرياً ولا أسمعه.

أضعت أشيائي الكثيرة.

وأضعت أشيائي الصغيرة.

دهاليز المدينة ..أزقتها ..نساءها، وأطفالها الذين يتضاحكون منيِّ كلما سقط شيء من أشيائيَ الجميلة.

فيالي..

اتحسّـس ثقوباً؛ باحثاً فيها عن مواضع وتفاصيلَ لأحلام ما فتئت تمتلئ بالمبكّرات من مسلماتٍ لأفعال ماضية.

يالي..

وقد عافتني طفولتي.. لا أنفك أتوارى لتتراءى لي، واختلسها – بغتةً – وأرى الشباب المتناهي في المحار.

هل أزفَ العمر وعداً..؟

وهل ستحترق أصابعي عدّاً، وولادة أتمثلها عند انصباب تهاويمي وامّحاء الرَّمل ورسم الطريق..

ولكن لي شفاء في النحيب..

ولي سماوات من طفولة لم تغب .

وما زلتُ أطفو.

وأحلِّق طائراً في الرؤى.

وأتتابع في دهشتى،وقدثمل العمر منىِّ..

وأضعت طفولة الطريق.. !!


 



حجرةٌ تتكوم بأكداسها

2007/4/12 .. 1 التعليقات .. رابط

حجرةٌ تتكوم بأكداسها

 

 

القطرات المائية لا زالت تتجمع،وتتكاثف. تنساب بقوة من فتحات الحاجز البابيّ بمربعاته الحديدية. تزحف متوحدة إلى الداخل، لتستقر تحت كومة الفضلات المتحاضنة أسفل جدار مطمور بالذكريات الكتابية المؤرشفة على الحائط الأصفر العتيق.

يرنو إلى الباب الحديدي بزيغ، وبخيبة ترتد العينان ماسحةً الأجدرة التي تؤرشف رتلاً من الكتابات المتزاحمة، والمتنافرة الخطوط: رأسياً، وأفقياً، وتعامدياً. تلتقط عيناه: سلِّم أمرك لرب السماء.. لحظة يا زمن.. سيدّ المظاليم.. الموت لأمريكا.. وصية أسير المدموع.. ذكريات أسير الحب،.. القباطي حالق تايسون.. ال... العينان ترتدان إلى الباب سريعاً:

· تعال يا.. حرازي.

ينهض أحدهم بتثاقل. يتناول منه قنينة ماء، وكيساً مملوءً بأعشاب خضراء، وآخر يحوي طعاماً. صوت من الداخل: أين" الريمي" نحتاج إلى "بارد".. طفل من وراء الباب – يبرز بخفة ونزق. يتضاحك متمايلاً كأنثى: ها. ما"تشتو"؟

o                تزوِّجني أختك يا ريمي؟

-بعد أن أتزوج أمك يا ابن الــ(...). يتركه ويمضي حانقاً.

الحجرة تضيق وتضيق، كلما انفتح الباب، وانغلق. وجد نفسه قابعاً أسفل الباب؛يقتعد جزءًا من أسفنجةٍ سوداء. يا لقذارتها! إنها مَمْسحة لأرضية الحجرة، ويتخذها البعض مكنسةً لبقايا الأكل، وما تخلفه الأحذية وراءهم.

لم يأت أحد. قالها، والعينان لا زالتا معلقتين هناك.. يعدل من جلسته وهو يحاول إصلاح ردائه العلوي. لا جدوى من ذلك؛ فجميع الأزرار غادرت أمكنتها.

من جيبه السفلي يخرج زجاجاً مدوراً، يعيده بجهدٍ إلى فتحة خاوية من نظارته المهترئة بلواصق الأتربة.. يعلقها على وجهه. الزجاج يسقط مهرولاً إلى ما تحت الكومة القمامية.

·       أتأكل معنا..؟

- لا.. شكراً -يجيب على صاحب الصوت دون أن يلتفت-

·       اخلع حذاءك.. أمامك ليلة طويلة.

- لا أظن.. سيأتي الآن.. سيأتي.

القطرات المائية تتوقف عن الزحف، إلا من بعض الانسرابات القادمة من سقف الحجرة يتمدد بجزئه العلوي على أرضية باردة، بينما تبقى القدمان منفرجتين، ومنتصبتين، واضعاً رأسه باحتواء يده اليسرى، وعينان مصوبتان إلى الحاجز الحديدي، بانتظار شيء "ما".

- لماذا لم يأت؟

....................

النعاس، الإرهاق، القلق: كل ذلك منمنمات على وجهه المتغضن بالرهق، وعينان تتثاقلان و..........

·       أنت يا.. (صوت من خلف الحاجز)

- أنا.... (وينهض واقفاً..).

·       هل جاءك أحد؟

- لا....... (ويتوارى صاحب الصوت)

السماء تعاود انسكابها. المياه المنسربة من أعلى الرؤوس تحاصر مكانه.. إلى أين المناص؟

·       تعال هنا يا....

كان شعوراً جامحاً بالحرج،وهو ينحشر بين سبع جثث، وكانت المسافات تزداد انكماشاً في كل مرة يُفتح فيها الباب الحديدي ثم يغلق بإحكام.

الساعة تقارب السابعة مساءً.

رعدة (ما) خفية اعترته، ونشاط غريب احتواه، وهو يسمع صوتاً لذيذاً. ينتفض من بين السبعة، يفتح باباً خشبياً، مهترئاً بدون رتاج، ويدخل.. يخرج، وقد غمر أجزاء من أعضائه بالماء، وفي وسط الحجرة يقف قبالة وجوه تسعة منتفخة الأشداق، كالحة الألوان. يحاول أن يتناسى حضورها وهو يفترش قطعة من ردائه. يرفع يديه: الله أكبر.. تبعه آخر، ثم آخر.

......................

بين وجوه تسعة عاد ليلتصق بالجدار، منحشراً بهم، بانتظار وجه يأتيه.

الساعة العاشرة مساءً.

صارت عشر جثث هو الحادي عشر..  العينان لا زالتا معلقتين بما وراء النوافذ الحديدية..

الأمطار تتهادى، تتقطع. ها قد كفت السماء أخيراً.

شخص (ما) يتوسط الباب. يشتط جذلاً، وهو يندفع إليه بكل قوة:

- ها..

·       رفضا كل شيء.

- وما العمل؟

جئت لك بفرش، وبعض الطعام،وغداً نحاول من جديد.. لقاءً.

..............................

الساعة الخامسة صباحاً.

مستيقظاً لا يزال بين عشر جثث تتمدد إلى جانبيه،وتحت قدميه هامدةً بلا حراك.. يأخذ نفساً زافراً وهو يُطوِّف عينيه في حجرة تتكوّم بأكداسٍ من البشر، وبقايا الأشياء: أوراق متناثرة، علب فارغة ونصف فارغة، أعقاب "سجائر" أوراق كرتونية، أحذية ممزقة، وغير ممزقة تتناثر على غير اتساق، خرق بالية.. و.... كومة كبيرة من المخلفات الأخرى تنام مسجاة تحت جدار، وقطة منقلبة على ظهرها، تمشط صدرها على غير انتظام، وباب خشبي- متآكل- بلا رتاج، من دَخَله لا ينْسى الحجر.

...........................

ملامح من بياض يتسلل إلى الحجرة من الفتحة الوحيدة في منتصف الباب، وضوضاء تقترب. الباب ينفتح، وجثة تتهاوى لتضيف إلى الأكداس رقماً جديداً. لم يأبه للوجه الجديد القادم

تحول بجسده إلى يسرته، وانتقل بعينيه إلى رتل الكتابات الجدارية. يتأملها يُطوِّف بين أشتاتها. ثمة عبارة تستوقفه. يرددها مرة، مرتين، ثلاثاً.

إنها العبارة المضيئة بين كل هذه الخربشات –قالها في نفسه- وأغمض عينيه وهو يردّد: "ومن يتق الله يجعل له مخرجاً".

................................

الساعة الثامنة مساءً.

رياح تثور، وأتربة تمور، وغبار يتزوبع ثم يعلو.. الأمطار تنهمر. التفت يمنة، ويسرةً، لم يجد أحداً.

 يبسُم،وهو يهرول قاطعاً بوابة "حمير"1 على الشارع الآخر. كان ثمة من يرقبه على الجانب الآخر،وبين يديه طفل يبلغ العام الأول من عمره.

7-2003

* حمير: اسم لمخفر بوليسي يقع غرب صنعاء

 




لامرأةٍ تقِفُ بِبَابي..

 

لامرأةٍ تقِفُ بِبَابي..

 

 

                                             

 

 

لأيَّام أجدِّدها: أبثُّ اغتباطي..

وللذاكرة الخالية، وللنوارس التي تصطليني: أُعيدُ مجديَ

التليد.. فيا أيتها العصور التي ما فتئت تُضَاءُ معلقةً على شرفاتي الميسونة: تبتَّلي إليَّ، وانقطعي، واخلدي تحت المآقي؛ اشتهاءً لأول قاطرةٍ تعيث بحزنها الفساد، وتهيَّأي لاستقبال امرأة تظن بي الخير، وتهبني الضحكة تلو الضحكة، واقفةً ببابي.. تمدُّيداً مرمرَّية اللون تخبئها تحت أنامل من فمها الحوري..

أيتها الصباحّية المغمورة برائحة وردها: تفيأي الظلال الغيمي المنسرب من قدومها العبيري، وانظري العينين، وما وراء الحدقات المبللة بالنعاس والمطر، وعطر الانشراح.

مُدِّي يديك، وليداهم جذلي طفولتها والبراءة التي تبحث عن مَدَدٍ يغطيها بعشقي، وتجويدي لأَحرفِ  الدفء السَّاكن في الشفتين..

ها إنها تأتي.. فلأنتصب!

ها إنَّ عصفورةً تحيكُ نشيدها؛ فليعبق الجسد بترنماتٍ لغدها، ولغدي.. هذا المدْلَهُ بالسحب، والمعلّقُ على راحات تفوّهاتها الشجريّة..

.. لها القصيدة أنىَّ تأتي..

و"البردةُ" بابتهالاتها، وبانقطاع نهايةٍ لبدء الميمنة..لها القصْيدَةُ أنىَّ تأتي..

والأستبرق الموشىَّ، والنمارقُ مصفوفةً، والرِّحلةُ حين تبدأُ في خاتمةِ الشِّتاء،

إلى الصيف الجديد..

             

ألاإنها امرأةٌ نُسجت من حلم الغيم

ألا إنها امرأةٌ تطفو فوق مواعيدي

ألا إنها الغيبُ الذي مسني حين رأتني ممدداً قارعة احتمالي، فرشقتني بأول قطرة لحرف ظل يساومني زمناً من التسامي والاغتراب..

هذا احتمالي الرتيب لها؛ فلأِكُنْ آخر من يهذي، وآخر من يمد يداً ولا يستكين.. وَلأِكُنْ هذا الفارسُ السليل برحم جنونها المنتظر.

ولأِكُنْ – كما ترتئي- حُلماً وقيضاً، وماءَ ساقيةٍ، وأحبولةً من قيدها.. وإنْ صفَّدتني يوماً..لامفرَّ.                                           

لامفر..




قصيدة النثر

2007/3/28 .. 1 التعليقات .. رابط

 قصيدةالنثر

 

 

حين  تنتعلني القصيدةُ الأعجوبةُ

اكفكفُ اعتسافاً أريجي 

أُنمّطُ لعبةً لمساءات الأضغاثْ

القصيدةُ الأحبولةُ اجتثاثٌ

لاستفاقة الرهان ْ

لاوجهَ لها

يغترفُ الجوارح

تحتفي بالحلم - الجاثومِ –

 و بالتأويل المباحْ.

وحين تنتعلني القصيدةُ الأحبولةُ

يتخثرَّ وجهي

 لا دمي

أنشرقُ بالصَّهدِ - اللحافِ -

أفضُّ كرباً

لاشتعالي

وأنْقَعُ في الماء أُدْحُوَةً للسماءْ

أنبجس بخراً

وأمكنةً

وعصاةً لموسى

 لا أهشُ بها

أتروًّع بالمفاجأة

باليباسٍ الأشر ِّ

أثغو..

 أحتدمُ

 أتأقلم ُ

 أتحدَّبُ

 ثم أجْهُشُ بالبكاءْ ...

وحين تنتعلني القصيدةُ الأعجوبةُ

يغتابني الأبهم اللسـان ْ

أثَّاقلُ الـيَّ ..

يغادرني الأُثمـدُ منيِّ

لأكتحلَ بقبحي

وبإيقاع قصيدةٍ

لانعْل لها .

أو سِوار

 




اِنكسارات الوجد

                        انكسارات الوجد

 

               

  

 

كيف يكتبني الليل نقطةً، تناور ارتماضات الألفة؟، وكيف يسلِّمني الليلُ إلى الليل ليقتات الجسد المضنى؟

يا آهي..

ارتجاعاتُ المنسيّ في ذاكرة الاحتقاب تونعُ بغفوةٍ ،تحتدم في سحائب ومض المأتى السحيق، وتُحيك مؤامرة صائتةً لاشتهاءات الرجيم الأعلى.

أيها الغائر في صدر التذويت، ولغو الفن الملكوتي: إنني الذاوي في حوار الرفض، ولا رفيق لي سواياً. تغدو احتفاءات الحريق وحياً ذابلاً، يتنّزل في مساء نبوءتي، وإفك ضلالي الناعظ بي.

فأنىَّ لآتٍ يرتفقُ، وأنىَّ لقادم ينام قريراً على حاءٍ ، ونون؛ لأعلن بأن:

لا حضور سواي، ولا موت سوى الموت.

كنتُ الجمرة النيئة التي تصِلُّ في وميضٍ من الجدار إلى الكهف، وصرت المدمَّى، وأنا الدامي.. لا الشفاعة تقيلني ، ولا الطفولة تستنقذني من وطأة الوطء، أو اعتساف الاأثم الربيب بين المآقي ..

فهاؤم أقرءوا اكتئابيه..

أني مللت انبجاسي

وانزلق الإصباح منيِّ

وبؤتُ بإنكفاءٍ أليم.

فبأي الحنايا ابتدأت كهولتي؟ وبأي الوصايا سوف اختزل البرودة، وأتقصىَّ الدفء نهاراً، يروم انحطام الأرق، ويزرع الأمانيهْ؟

هاؤم أقرءوا اكتئابيهْ.

ما بين روح تعشق الدنا، وأخرى تغامر في ملكوت السماء، حلمت المساء بلا وجدٍ، وقلت:

"كن"..

- غادرتني الوهلة.

- غادرتني السكنى.

- وغادرتني الأزمنة.